نحن هنا
خلّيني أنهار شوي
إن وصلتَ إلى هذه الصفحة، فالأرجح أنّ شيئاً ما قد حدث.
ربما كان ما تمرّ به أصعب ممّا مررتُ به. وربما أهون.
لا أعرف.
لكنّي أعرف أنّ في داخلك الآن الكثير.
قد تجد نفسك في بعض ما شعرتُ به،
وقد لا تجد،
وقد يكون شعورك أنت شيئاً آخر تماماً.
لن أقول لك كيف يجب أن تشعر.
أردتُ فقط أن أكتب كلّ ما عشتُه من مشاعر،
لعلّه يخفّف عنك قليلاً أن تعرف أنّ أحداً مرّ بها قبلك.
خُذ ما يلزمك. اقفز إلى ما يقترب من شعورك:
- الصدمة الأولى
- الانتظار الذي لا ينتهي
- جسدٌ صار غريباً
- وحدكَ في الغرفة
- ما لا يُسمح لك أن تشعر به
- مربوطٌ مدى الحياة
- ولسنا وحدنا
الصدمة الأولى
حين لا يبدو الأمر حقيقياً
تُقال الكلمة، تسمعها، ولا تصل.
كأنّها عن شخصٍ آخر.
كأنّك تشاهد ما يجري من خارج جسدك.
هذا ليس إنكاراً، ولا ضعفاً فيك.
هكذا يحمي العقل نفسه من ضربةٍ أكبر من أن تُحتمَل دفعةً واحدة.
أنا أيضاً شعرتُ بها. قيلت لي الكلمة بهدوء، عابرةً بين جملةٍ وأخرى،
فجلستُ في سيّارتي وحدي، ولم أكن أعرف بعدُ ماذا حدث.
وإن لم تستوعبها أنت بعد، فلستَ وحدك في ذلك. خذ وقتك.
الكلمة ثقيلة, ومن حقّك أن تحتاج وقتاً كي تصدّقها.
هل فاتتني علامة؟ هل هذا خطئي؟
يبحث العقل عن سبب. عن لحظةٍ كان يمكن أن تنتبه فيها، عن شيءٍ كان عليك أن تفعله.
لكن هذا النوع كثيراً ما لا يُعطي علامة. لا عَرَض، لا إنذار.
قد يكون في الجسد سنواتٍ دون أن يُرى.
لم تُقصّر. لم تفوّت شيئاً. لا أحد كان ليرى ما لا يُرى.
سألتُ طبيبي أوّل ما سمعت: “هل كانت هناك علامة كان عليّ أن أنتبه لها؟”
قال: لا. هذا النوع لا يظهر.
إن كنتَ تفتّش الآن في ماضيك عن غلطة، توقّف.
لم يكن هناك ما تفعله. وهذا ليس ذنبك.
لا وقت لاستيعاب الأمر
تُشخَّص، وقبل أن تلتقط أنفاسك تجد نفسك في المواعيد والقرارات والتحضير للعمليّة.
يتحرّك كلّ شيء بسرعة، وتبقى المشاعر معلّقة في الخلف، تنتظر دورها.
بين أن عرفتُ وأن دخلتُ العمليّة كانت أيّاماً قليلة.
تحرّك جسدي على الطيّار الآليّ، ينفّذ ما طُلب، بينما لم يلحق قلبي بعد.
إن لم تجد وقتاً لتشعر، فهذا طبيعيّ. المشاعر لا تختفي حين نؤجّلها.
تنتظر. وستعود حين يهدأ كلّ شيء. وحين تعود، اسمح لها.
أن تخبر الجميع، مرّةً بعد مرّة
ثمّ يأتي الجزء الذي لا يتحدّث عنه أحد: أن تقولها بصوتك. لأمّك، لصديقك، لمن تحبّ.
وفي كلّ مرّة تقولها، تعيشها من جديد.
أوّل اتّصالٍ أجريته كان لأعزّ صديقةٍ لي. تمنّيتُ لو قلتها وجهاً لوجه،
لكنّي احتجتُ أن أقولها لأحد. ثمّ جاء الأثقل: أن أكرّرها للجميع.
إن كان إخبار الناس يُتعبك أكثر من المرض نفسه أحياناً، فأنت لست غريباً.
أن تحمل خبراً ثقيلاً وتسلّمه بيدك مرّةً تلو الأخرى… هذا تعبٌ حقيقيّ.
الانتظار الذي لا ينتهي
قلق الانتظار
تُجرى الفحوصات، ثمّ يبدأ الأسوأ: الانتظار.
يومان، أو أسبوع، أو أكثر، تعيشها معلّقاً بين احتمالين.
العقل لا يهدأ. يسأل: ماذا لو؟ وماذا لو؟ وماذا بعد ذلك؟
كلّ وجعٍ صغير يصير علامة. كلّ صمتٍ من الطبيب يصير حكماً.
عرفتُ هذا الانتظار جيّداً. الجسد ساكن، لكنّ الرأس يركض بلا توقّف.
كنتُ أنتظر أرقاماً تقرّر شكل أيّامي المقبلة، ولا شيء بيدي سوى أن أنتظر.
إن كان الانتظار أصعب عليك من الخبر نفسه أحياناً، فأنت لست وحدك.
لا أحد يخبرك أنّ أثقل جزءٍ في المرض قد يكون اللاشيء… مجرّد الانتظار.
الخوف ممّا بعد
ليس الخوف من اللحظة وحدها، بل ممّا لا تعرفه عنها.
ما الذي ينتظرني؟ كيف ستبدو حياتي؟ هل أعود كما كنت؟
حين يصير المستقبل ضبابياً، يملؤه العقل بأسوأ ما يتخيّل.
وهذا طبيعيّ. الغموض أثقل على النفس من الخبر السيّئ الواضح.
أنا أيضاً وقفتُ أمام مستقبلٍ لا أرى ملامحه.
لم أكن أخاف هذه اللحظة بقدر ما كنتُ أخاف ما لا أعرفه عمّا بعدها.
إن كان الغموض يخيفك أكثر من الحقيقة، فهذا مفهوم.
لا أحد يطلب منك أن تكون شجاعاً أمام شيءٍ لم تره بعد.
هلع الغلطة الواحدة
حين يعتمد علاجك على نظامٍ صارم، تصير كلّ غلطةٍ صغيرة كارثةً في رأسك.
لقمةٌ خطأ، نسيانٌ عابر، فيهجم الذعر: هل أفسدتُ كلّ شيء؟
غالباً لا. كثيرٌ ممّا نخافه يكون تراكمياً، لا تقرّره لحظةٌ واحدة.
لكنّ العقل المتعب يضخّم الغلطة الصغيرة حتى تملأ المشهد كلّه.
عشتُ هذا الذعر. كنتُ أحسب أنّ زلّةً واحدة قد تنسف كلّ ما تحمّلته.
احتجتُ من يذكّرني أنّ الأمر لا ينهار من خطأٍ واحد.
إن كنتَ تعاقب نفسك على غلطةٍ صغيرة، خفّف عنها.
أنت تحاول بقدر ما تستطيع، وهذا يكفي.
أن تحتاج أن تعرف
بعضنا يهدأ بالمعرفة. رقم، نسبة، احتمال… شيءٌ صلبٌ نقف عليه وسط الغموض.
ليس فضولاً، بل طريقتنا في أن نمسك بأرضٍ ثابتة.
لكنّ البحث نفسه متاهة. المصادر الموثوقة جافّة، تعطيك حقائق ولا تطمئنك.
والأماكن التي فيها أناسٌ حقيقيّون قد تغرقك في قصصٍ تضاعف قلقك.
فبمن تثق؟ أين تقف بين برودة العلم وفوضى التجارب؟
أنا منهم، ممّن يهدّئهم الرقم. كنتُ أطلب النسب لا لأعرف فحسب، بل كي أتنفّس.
ثمّ ضعتُ بين مصدرٍ بارد وآخر يخيفني، أبحث عن معلومةٍ صادقةٍ بصوتٍ دافئ ولا أجدها بسهولة.
ولعلّ هذا المكان وُلد من تلك الحاجة بالذات.
إن كنتَ تطارد كلّ رقمٍ وتفصيل، فهذه ليست مبالغة. هكذا يهدّئ بعضنا نفسه.
وإن أتعبك البحث وحيّرك مَن تصدّق، فخذ ما يطمئنك من مصدرٍ تثق به، واترك ما يزيد خوفك.
لك أن تحمي سلامك.
جسدٌ صار غريباً
عضوٌ كامل، ذهب
هناك جزءٌ منك لم يعد موجوداً. عضوٌ لم تفكّر فيه يوماً، ثمّ أُخذ.
لا تشعر بمكانه تماماً، لكنّك تعرف أنّه غاب.
من الغريب أن تحزن على شيءٍ تجاهلته طوال عمرك.
لكنّ الجسد يلاحظ الغياب، حتى حين لم تلاحظ الحضور.
لم أمنح غدّتي لحظة تفكيرٍ واحدة، حتى أخذوها.
غدّةٌ صغيرة أهملتها سنوات، وصار غيابها اليوم يرتّب أيّامي كلّها.
إن كنتَ تشعر بفراغ شيءٍ لم تنتبه له من قبل، فهذا ليس غريباً.
للغياب ثقل، ومن حقّك أن تشعر به.
ندبةٌ يراها الناس… أو لا يراها
خطٌّ على الرقبة، في مكانٍ لا يُخفى دائماً.
بعضنا يحمل ندبةً واضحة، وبعضنا بالكاد يحمل أثراً. وفي كلتا الحالتين شعورٌ معقّد.
اعتنيتُ بندبتي جيّداً، حتى كادت تختفي. وأنا ممتنّة لذلك.
لكنّي سأكون صادقة: في فترةٍ منها، حين كنتُ ألصق عليها شريطاً، أعجبني أنّ بإمكاني أن أشير إليها وأقول “أنا مريضة”.
فمن الصعب أحياناً أن تُقنع الناس أنّك تمرّ بشيء حين لا يرونه على جسدك.
كان الأثر دليلاً ماديّاً… ثمّ زال الدليل.
والآن مشاعري متضاربة: سعيدةٌ لأنّها لم تترك علامة، وفي داخلي صوتٌ صغير كان يودّ لو بقي منها أثرٌ يقول إنّي مررتُ بهذا فعلاً.
إن وجدتَ نفسك تتمنّى ندبةً أوضح، أو على العكس تتمنّى لو تختفي، فأنت لست غريباً ولا ناكراً للنعمة.
أن تريد دليلاً يُرى على ألمٍ لا يُرى… شعورٌ إنسانيّ تماماً.
صوتك
أحياناً يتغيّر الصوت بعد العمليّة. يصير أخشن، أو أضعف، أو ليس صوتك تماماً.
ولأنّ الصوت جزءٌ من هُويّتنا، يُشعرك تغيّره بأنّك فقدتَ شيئاً منك.
وإن كنتَ ممّن يعيشون بأصواتهم، يتحدّثون، يؤدّون، يقودون به، فالأمر أثقل.
ليس صوتاً فحسب، بل أداتك.
أنا أحبّ الكلام. أؤدّي، وأتحدّث، والصوت هو ميداني.
فحين بقي صوتي أخشن مدّةً، لم يكن ذلك أمراً صغيراً بالنسبة لي.
إن بدا التغيّر صغيراً للآخرين وكبيراً عندك، فمن حقّك.
هم لم يفقدوا ما فقدته أنت.
الضباب
يثقل الذهن. تبطئ. تلك الحدّة التي كنتَ تعتمد عليها تلين فجأة.
كلمةٌ تغيب، فكرةٌ تفلت، مهمّةٌ بسيطة تأخذ ضعف وقتها.
هذا “ضباب الدماغ” حقيقيّ، جسديّ، وليس كسلاً ولا تقصيراً.
وحين يكون عملك قائماً على السرعة، يتراكم الخوف فوقه: هل أُخذِّل من حولي؟ هل أفقد مكاني؟
كنتُ معروفةً بأنّي سريعة. ثمّ صار العمل الذي يأخذ ساعةً يأخذ ثلاثة أيّام.
ذنبٌ تجاه فريقي، وخوفٌ على عملي، نزلا عليّ دفعةً واحدة.
إن صرتَ أبطأ ممّا كنت، وأرعبك ما قد يكلّفك ذلك، فخوفك مشروع.
الضباب ينقشع. كن لطيفاً مع نسختك التي تكافح تحت الماء الآن.
أهو أنا، أم الهرمون؟
تشعر بفتورٍ، أو ثقل، ولا تعرف من أين أتى.
حزنٌ؟ تعب؟ أم أنّ شيئاً في كيمياء جسدك اختلّ؟
نقص هرمون الغدّة نفسه يطفئ المزاج والطاقة والتركيز.
فلا تستطيع دائماً أن تفصل بين “أنا حزين” و”هرموني غير مضبوط”. وهذا الالتباس وحده عبء.
مرّت بي فتراتٌ لم أعرف فيها: أأنا متعبةٌ نفسيّاً، أم أنّ دوائي يحتاج تعديلاً؟
وكان عدم المعرفة أثقل من الشعور نفسه.
إن عجزتَ عن تسمية سبب فتورك، فأنت لا تفشل.
بعض هذا كيمياء، لا ضعفٌ فيك. قُلها لطبيبك، فهي معلومةٌ تُقال، لا شكوى.
وحدكَ في الغرفة
أن تصير أنت الخطر
بعد العلاج، يصير جسدك نفسه شيئاً يُبعَد عن الآخرين مدّةً. أنفاسك، لمستك، قربك… كلّها تحت قاعدة المسافة.
لفترةٍ، تتحوّل أنت إلى ما يجب أن يُحتَرَس منه.
هذا جزءٌ من العلاج، وللاحتياطات سببها. لكنّ حمل فكرة أنّك قد تؤذي أحداً ثقيلٌ على القلب.
ليس الخوف هنا على نفسك، بل من نفسك.
أخذتُ كلّ الاحتياطات، وحين خرجت بقي القلق معي.
كان يكفي أن أتخيّل طفلاً يمرّ قربي فأؤثّر فيه دون قصد، حتى ينقبض صدري. إيذاء الآخرين شيءٌ لا أحتمل فكرته.
إن كان خوفك من أن تؤذي غيرك أثقل من خوفك على نفسك، فاعلم أنّ هذا الخوف وُلد من حرصك، لا من ضعفك.
أن تهتمّ ألّا تؤذي أحداً… هذا أصدق ما فيك.
أن تريد الناس ولا تطيقهم في آنٍ واحد
يتواصل معك الناس، فتجد نفسك في تناقضٍ غريب: تريدهم أن يسألوا عنك، ولا تقوى على الردّ حين يفعلون.
تتعب من إعادة الخبر نفسه، ومن قول “أنا بخير” مرّةً بعد مرّة، حتى تودّ لو انسحبت قليلاً.
ليس لأنّك لا تحبّهم، بل لأنّ كلّ روايةٍ للقصّة تُعيدك إليها من جديد.
وفي الوقت نفسه، إن صمت أحدهم لاحظت. تريد القرب وتهرب منه معاً.
عشتُ هذا بالضبط. كنتُ أنتظر أن يسأل الناس عنّي، وإن لم يفعلوا تساءلت: لماذا؟
ثمّ حين يسألون، لا أجد طاقةً للردّ. لم أكن يوماً ممّن يتأخّرون في الجواب، وفجأة صرتُ أردّ بعد يومين أو ثلاثة. وتعبتُ من تكرار “كلّ شيء بخير، كلّ شيء تمام”.
إن كنتَ لا تنتصر مع نفسك في هذا، تشتاق إلى الناس وتتهرّب منهم معاً، فأنت لست جاحداً ولا بارداً.
هذا التناقض من أصدق ما يرافق المرض. أن تحبّهم ولا تطيق الكلام… الاثنان صحيحان معاً.
أن تحملها وحدك
حين تمرّ بهذا دون شريكٍ في البيت، يأتيك أمران معاً: أنّ معظم العبء يقع عليك، وأنّ ما لا تقدر عليه عليك أن تطلبه.
أنت المريض، وأنت في الوقت ذاته من يدير كلّ شيء.
تطبخ، وتتسوّق، وتنظّم المواعيد، وتجهّز، وأنت المتعب أصلاً. ثمّ تطلب من أصدقائك ما لا تقوى عليه.
ولأنّك معتادٌ أن تدبّر حياتك بنفسك، لا يأتي الاتّكاء على الناس بسهولة.
كنتُ الطبّاخة والمتسوّقة والمنظّمة، نزلت القوائم كلّها عليّ وحدي.
واحتجتُ أن أطلب: من يطبخ، من يحضر الطعام، من يطمئنّ عليّ. ولم يكن الطلب سهلاً.
إن أنهكك أن تكون المريض والمسؤول في آنٍ واحد، فهذا ليس ضعفاً، بل عملُ شخصين تؤدّيه وحدك.
وأن تحتاج إلى المساعدة لا يجعلك عبئاً. اطلبها. من حقّك أن تُسنَد.
الجمعُ الذي يتفرّق
في البداية يحضر الجميع. ثمّ، رويداً رويداً، يقلّ العدد.
هذا ليس عمليّةً واحدةً وينتهي الأمر. إنّه يمتدّ شهوراً، والاهتمام بطبيعته يخفت، ويعود الناس إلى حيواتهم.
أمرٌ طبيعيّ، لكنّه قد يوجع، خاصّةً حين يأتي أصعب وقتٍ بعد أن انصرف الضوء.
الأشهر الطويلة، الهادئة، المملّة من المرض… هي غالباً الأقلّ حضوراً للآخرين.
حضر كثيرون، كلٌّ بطريقته، وأنا ممتنّة. لكنّ الحقيقة أنّ الناس يجتمعون في البداية، عند العمليّة والخبر الأوّل.
ثمّ يتناقصون شيئاً فشيئاً. كنتُ محظوظةً بدائرةٍ قويّة لم تتركني، لكنّي أحبّ أن أنبّهك: استعدّ لهذا.
إن لاحظتَ الجمع يتفرّق وانقبض قلبك، فلستَ متطلّباً.
أن تتمنّى بقاء الناس في منتصف المرض الطويل أمرٌ منصف. ويهوّن عليك أن تعرف، من الآن، أنّ الهدوء آتٍ.
وماذا عنك أنت؟
وهنا عليّ أن أصدُقك في شيء: العزلة نفسها لم تكن الجزء الصعب بالنسبة لي.
أنا أعيش وحدي أصلاً، وكنتُ مستعدّة. ربما لم تكن مسألةً كبيرةً عندي كما قد تكون عندك.
لكنّي أعرف أنّها لكثيرين من أثقل ما في الرحلة. الغرفة المغلقة، المسافة، الصمت الطويل.
ولذلك لا أريد أن أخبرك كيف تشعر، بل أن أسألك:
كيف كان هذا الجزء بالنسبة لك؟ هل أتعبتك الوحدة، أم وجدتَ فيها، مثلي، راحةً لم تتوقّعها؟
لا توجد إجابةٌ صحيحة. منّا من يرهقه الانفراد، ومنّا من يجد فيه هدوءاً غريباً.
وكلاهما مسموح. أخبرني أنت.
ما لا يُسمح لك أن تشعر به
”على الأقل إنّه السرطان اللطيف”
سيقول لك أحدهم إنّك محظوظ. إنّه “أفضل سرطانٍ يمكن أن تُصاب به”، وإنّ نسبة الشفاء عالية.
وكلّها قد تكون صحيحة… ومع ذلك تجعلك تشعر أنّ خوفك مبالغٌ فيه، وأنّ ما تمرّ به أصغر ممّا تحسّه.
نتيجةٌ جيّدة لا تعني تجربةً سهلة. السرطان سرطان، والخوف خوف، مهما كانت الأرقام.
أنا نفسي وقعتُ في الفخّ. كنتُ أقول: “أعرف أنّ نسبة الشفاء عالية، لكن…”، أعتذر عن خوفي قبل أن أسمح لنفسي به.
إن جعلوك تشعر أنّ من حقّك أن تقلق “بمقدارٍ” فقط، فلا تصدّقهم.
لا أحد يحدّد لك حجم خوفك. تجربتك ليست أصغر لأنّ نهايتها أهون.
ألّا تشعر أنّك “مريضٌ بما يكفي”
لا كيماويّ، لا تساقط شعر، لا علاماتٍ يراها الناس. فتشكّ: هل لي أصلاً أن أقول إنّي مصابٌ بالسرطان؟
وكلمة “ناجٍ” تبدو أكبر منك، كأنّها لشخصٍ آخر خاض حرباً أوضح.
حين لا يُرى المرض، يمرّ دون أن يشهده أحد، حتى أنت. وتبدأ تشكّك في وزن ما عشته.
سأكون صادقة: إلى اليوم لا أعرف إن كنتُ أستطيع أن أسمّي نفسي “ناجية”. أعيش كثيراً مع شعور المحتال: مريضةٌ تشكّ في مرضها.
كأنّني أحتاج أن أحمل تقريري الطبّي في جيبي، أُخرجه عند الحاجة كبطاقة هويّة: لا، حقّاً، كان الأمر حقيقيّاً.
إن شككتَ في أنّك “تستحقّ” الكلمة، فأنت لا تحتاج أن تبدو بشكلٍ معيّن كي يكون ما مررتَ به حقيقيّاً.
لا امتحان دخولٍ للألم. حدث لك، وهذا يكفي.
فخّ الامتنان
ستشعر أنّ عليك أن تكون ممتنّاً. لا من الناس فحسب، بل من نفسك أنت.
كلّما هبط قلبك، يهرع صوتٌ بداخلك: “لكن على الأقل اكتشفناه مبكّراً.”
والامتنان جميل، لكن حين يُفرَض، يصير باباً يُغلَق في وجه حزنك قبل أن تشعر به.
عرفتُ هذا جيّداً. كلّما حزنت، أردّ على نفسي بـ”لكن على الأقل…”، ولسببٍ ما كان ذلك يُغضبني من نفسي.
كأنّني لا أملك حتى الحقّ في أن أشعر بثقل ما حدث دون أن أعتذر عنه فوراً.
إن سئمتَ أن تُجبَر على رؤية الجانب المضيء، فأنت لست ناكراً للنعمة.
يمكن للامتنان والحزن أن يسكنا القلب معاً. لستَ مضطرّاً أن تُسرع إلى “على الأقل”.
أن تشعر أنّك ضعيف
تنظر إلى نفسك وتتساءل: لماذا لا أحتمل هذا بشكلٍ أفضل؟ هل أنا ضعيف؟ لو كان غيري مكاني، أكان أقوى منّي؟
نحن نقارن داخلنا بخارج الآخرين. نرى هدوءهم ولا نرى ما يرتجف تحته. والجميع يبدو أقوى من الخارج.
أنا أيضاً شعرتُ بالضعف. كنتُ أنظر إلى الناس وأتساءل: لو مرّوا بما أمرّ به، أكانوا أصلب منّي؟
إن ظننتَ أنّ هناك طريقةً “قويّة” لتمرّ بالسرطان وأنّك تخطئها، فلا وجود لها.
أنت تمرّ به الآن، تنهض كلّ صباحٍ وتحمله. هذا هو القوّة، لا شيء غيره.
الفراغ بعد الخبر الجيّد
ينتظر الجميع لحظة “النتيجة سليمة” كأنّها نهاية الفيلم. ثمّ تأتي… فلا تشعر بالفرح الذي توقّعته، بل بفراغٍ غريب.
تهيّأتَ شهوراً، شددتَ أعصابك، والجسد لا يُطفئ هذا الاستنفار بأمر.
ومع سرطان الغدّة تحديداً، لم تشعر يوماً أنّك “مريضٌ” بشكلٍ واضح، فلا يأتي “الشفاء” كلحظةٍ فاصلة. تقول فقط: “حسناً، أظنّني بخيرٍ الآن.”
خمسة أشهرٍ كاملة بين التشخيص والخبر الأخير، ومع ذلك شعرتُ أنّها لم تكن “طويلةً بما يكفي”.
في رأسي، السرطان شيءٌ يمتدّ طويلاً، فحين انتهى بهدوءٍ هكذا، عاد إليّ شعور المحتال من جديد.
إن لم يأتك الارتياح كما تخيّلته، فأنت لست جاحداً ولا غريباً.
أحياناً يحتاج القلب وقتاً ليصدّق أنّ الخطر مرّ. خذ وقتك في أن تهبط بسلام.
الغضب الذي لا يجد وجهاً
في مكانٍ ما، يولد الغضب. لكنّه لا يجد إلى أين يتّجه.
لا سبب، لا ذنب، لا أحد تلوم. “لماذا أنا؟ كيف حدث هذا؟ لماذا حدث أصلاً؟”
أوّل ما يفعله المرء أن يفتّش في نفسه: هل أخطأت؟ هل جلبتُه لنفسي؟
وحين لا يجد شيئاً، ولا يجد أحدٌ، يبقى الغضب معلّقاً في الهواء بلا هدف. وهذا وحده مرهق.
غضبتُ من العشوائيّة، من أنّ هذا جاء بلا سبب. وأحياناً من الطريقة الباردة التي تُقال بها الأخبار.
لكنّ أصدق غضبي كان موجّهاً إليّ أنا. كنتُ أصغّر الأمر أمام الناس، أطمئنهم وأقول لهم لا تقلقوا، ثمّ أغضب إن صغّره أحدهم. تناقضٌ غريب: أقلّل منه بلساني، وأنتظر من العالم أن يراه كبيراً.
وكان هناك سؤالٌ آخر يلحّ: لماذا الآن؟ كنتُ قد مررتُ بالكثير، وكلّما شعرتُ أنّ حياتي عادت إلى مسارها، جاء شيءٌ كهذا فأطاح بها. وذلك يُغضب أكثر.
إن كنتَ غاضباً ولا تعرف ممّن، فغضبك مفهوم. ليس عليك أن تجد له هدفاً كي يكون مشروعاً.
ولا بأس أن تغضب من نفسك أحياناً، ما دمتَ تذكر أنّك لم تجلب هذا، ولم تستحقّه. لم يكن خطأك، ولا اختيارك.
مربوطٌ مدى الحياة
حبّةٌ كلّ يوم، إلى الأبد
دواءٌ واحد، كلّ صباح، على معدةٍ فارغة، بعيداً عن قهوتك، بلا يوم إجازة… ما تبقّى من عمرك.
الحبّة نفسها صغيرة. الثقل في كلمة “دائماً”.
العقل يقبل “علاجاً لفترة”، أمّا “إلى الأبد” فشيءٌ آخر. أن يصير جسدك مشروع صيانةٍ لا ينتهي.
أنا أيضاً… ليفوثيروكسين كلّ يوم، طقسٌ صغير يعيد ترتيب صباحي كلّه.
لا يبدو كثيراً للناظر، لكنّه حاضرٌ كلّ يوم.
إن أتعبتك فكرة الارتباط بحبّةٍ صغيرة بقيّة حياتك، فهذا ليس جحوداً للعلاج الذي أبقاك.
أن تأسى على تلقائيّةٍ فقدتها… شعورٌ صغيرٌ ومشروع.
لا الحبّة وحدها، بل القدرة على الوصول إليها
ثمّ يأتي ما هو أثقل من الحبّة: أن تعتمد على وجودها دائماً.
ماذا لو انقطعت يوماً؟ بسبب المال، أو التأمين، أو ظرفٍ لا تتحكّم فيه؟
أن تعرف أنّ عمل جسدك معلّقٌ بدواءٍ يجب أن يبقى في متناولك… فكرةٌ تُقلق.
لا أحد يحبّ أن يشعر أنّ توازنه رهنٌ بشيءٍ خارجه.
ويثقل الأمر أكثر حين تكون في عمرٍ ما زلت تشعر فيه أنّك في بداية الطريق.
أنا في السادسة والثلاثين، وفي رأسي أصغر.
وحين أفكّر في أربعين عاماً قادمة معلّقةٍ بهذا، يتسلّل قلقٌ من نوعٍ مختلف، أبعد من المرض نفسه.
إن راودك هذا الخوف، فأنت لا تبالغ. أن تفكّر في استمرار وصولك إلى ما يبقيك سليماً… تفكيرٌ منطقيّ، لا هلع.
سمّه، وتحدّث عنه مع طبيبك أو من تثق به. حمله وحدك في صمتٍ أثقل من حمله بصوت.
الخوف الذي يعود
لا ينتهي الأمر تماماً عند كلمة “سليم”. تبقى المتابعة: تحاليل، فحوصات، مواعيد تعود كلّ حين.
ومع كلّ موعدٍ يعود معه قلق الانتظار القديم، كأنّ الجرح يُفتح قليلاً من جديد.
“مراقبةٌ مدى الحياة” تعني أنّ للخوف موسماً يتكرّر. ليس حاضراً دائماً، لكنّه يطلّ عند كلّ فحص.
أعرف هذا الخوف. كلّما اقترب موعدٌ أو تحليل، يعود التوتّر نفسه، ذاك الذي ظننتُ أنّي تركته خلفي.
إن انقبض صدرك قبل كلّ متابعة، فأنت لست ضعيفاً ولا متشائماً. هذا أثرٌ طبيعيّ يتركه ما مررتَ به.
يخفّ مع الوقت، ويعود أحياناً، وكلاهما طبيعيّ. ولا بأس أن تطلب من يسندك في كلّ مرّةٍ يعود فيها.
ولسنا وحدنا
إن وصلتَ إلى هنا، فقد مررنا معاً بالكثير.
ربما وجدتَ نفسك في بعض ما كُتب، وربما في القليل منه فقط، وربما كان شعورك شيئاً لم أذكره أصلاً.
كلّ ذلك صحيح. لم أكتب هذا لأقول لك “هكذا يكون الشعور”، بل لأقول: مهما شعرتَ، فأنت لستَ وحدك فيه.
لم أغطِّ كلّ شيء. لا أحد يستطيع.
لكلٍّ منّا نسخته من هذه الرحلة، وفيها مشاعر لم تخطر لي، وأخرى لم أعشها أنا.
فإن كان فيك شعورٌ لم تجده هنا، أحبّ أن أعرفه.
اكتب لي عمّا شعرتَ به. ما تشاركه قد يصبح، يوماً ما، الجملة التي تجعل شخصاً آخر يشعر بأنّه مفهوم.
البريد: my.thyroid.notes@gmail.com
لم أكتب هذه الصفحة لأنّي تجاوزتُ كلّ شيء، بل لأنّي مررتُ به، ولأنّني لو وجدتُ صفحةً كهذه في حينها، لما شعرتُ بالوحدة كما شعرت.
نحن في هذا معاً.
ولسنا وحدنا.