العلاج
أثناء العلاج باليود المشع
هذه تجربتي أنا.
مرّت بي، فكتبتُها كما عشتُها.
قد تُشبه تجربتك، وقد لا تُشبهها أبداً. ولا بأس في الحالتين.
لستُ طبيبة، وهذا ليس كلاماً طبياً.
طبيبك هو المرجع. دائماً.
أنا هنا فقط لأقول لك ما الذي ينتظرك تقريباً، وكيف يكون الأمر من الداخل.
وأول ما أقوله لك:
الخوف قبل الحبّة أكبر من الحبّة نفسها.
قرأتُها عند كثيرين قبلي، ثم عشتُها بنفسي.
١ · الحبّة
في الصباح، أخذتُ الإبرة، وكانوا قد سحبوا الدم قبلها.
ثم جاء الطبيب، شرح لي ما سيحدث، وخرج.
بعده دخل فنّي، ووقف خلف بابٍ معدني.
يقول لك ما ستفعل، ويُدخِل الحبّة.
وهنا يكبر الخوف قليلاً: الحبّة تأتي على عربةٍ صغيرة، داخل صندوقٍ مُحصَّن، ثقيل، يبدو وكأنه يحمل شيئاً خطيراً جداً.
يضعون أمامك كوباً صغيراً، فيه فتحةٌ دقيقة، ومعه ما يشبه القشّة.
يمسكون طرفه، وأنت تأخذه وتبتلع.
بسيطة.
أنا؟ أمسكتُ الكوب لأشربه، ظننتُه كوباً عادياً.
صدّقوني، كان ثقيلاً بشكلٍ لا يُصدَّق.
ذلك الثقل وحده قال لي كل شيء عن مقدار الحماية من حوله.
الحبّة نفسها سهلة. الأصعب يأتي بعدها.
وطوال الوقت كان في رأسي شيءٌ واحد:
كم أنا مبهورةٌ بالطبّ الحديث.
لا أصدّق أننا نفعل شيئاً كهذا.
٢ · الغرفة
أول ما يلفت نظرك: كل شيءٍ مغلَّفٌ بالنايلون.
هاتفي، الطاولة، أجهزة التحكّم، حتى الكراسي.
القاعدة بسيطة: إمّا أن يكون الشيء مغلَّفاً، وإمّا أن تكون مستعداً لرميه. لا شيء بينهما.
وبجانبي وضعوا دلواً صغيراً مبطَّناً، تحسّباً.
وعلى الأرض فرشوا ورقاً، من النوع الذي يُفرَش للكلاب الصغيرة، في حال لم أصل إلى الحمّام في الوقت.
منظرٌ غريب، لكنه منطقي.
الغرفة نفسها كانت واسعة، نافذتها مُقفلة، وخلفها خضرةٌ أنظر إليها.
فوق السرير جهازٌ يقيس الإشعاع، لذلك عليك أن تستلقي على ارتفاعٍ محدَّدٍ بالضبط.
حرّكنا السرير من دون قصد، أنا وصديقتي، فاضطرّت الممرضة أن تعيد ضبطه بالمسطرة من جديد. شعرتُ بالذنب قليلاً.
٣ · قواعد أن تكون مُشِعّاً
بعد الحبّة، يطلبون منك أن تستلقي تماماً، أفقياً، لمدة ساعتين.
الجزء الجميل: يمكنك استخدام هاتفك، أن تتكلّم، أن تسمع، أن تفعل ما تشاء، ما دمتَ مستلقياً.
في اليومين التاليين، كل ثلاث ساعات يتّصلون بك على الهاتف، ويطلبون منك أن تستلقي عشر دقائق ليأخذوا القياس.
وخارج الغرفة شاشةٌ صغيرة تقيس مقدار الإشعاع في الغرفة.
أما الطعام، فله رقصته الخاصة:
تضع طاولتك قرب الباب، ثم تركض إلى الطرف الآخر من الغرفة، خلف الخزانة.
عندها تدخل الممرضة وتضع الطعام، ثم تخرج، وتعود أنت لتأخذه.
وكل يوم: ملاءاتٌ نظيفة، حمّامان، وثيابٌ نظيفة (يعطونك بيجامة).
ولا أحد يدخل عليك. أنت وغرفتك فقط.
٤ · كيف شعرتُ فعلاً
العزل صعب. لن أكذب عليك.
لكنه، بالنسبة لي، لم يكن سيئاً كما توقّعت.
أنا أصلاً إنسانةٌ هادئة.
يومي العادي: سريري، شاشة، هاتف.
فبدا الأمر أشبه بالبيت، لكن بلا نتفليكس المعتاد.
والغريب أنني بقيتُ أنتظر السوء.
أقول في نفسي: لماذا أشعر أنني بخير؟
كل شيء يمضي بهدوء، حتى صرتُ أشكّ في هدوئه.
ملأتُ الساعات بما استطعت:
جلستُ قرب النافذة.
صوّرتُ نفسي جلسة تصويرٍ صغيرة، من الملل وحده.
سمعتُ كتباً صوتية، لعبتُ بعض الألعاب، وطمأنتُ أهلي وأصدقائي.
ومع ذلك، ظلّ هناك شعورٌ يلازمني:
أن أنظر حولي وأرى كل شيءٍ مغلَّفاً بالنايلون.
وأن أمرّ بتجربةٍ لا يمرّ بها كثيرون. عزلٌ من نوعٍ خاص.
لكن اسمع:
هذه تجربتي أنا.
قد تكون تجربتك أثقل، وأصعب، وأطول. وهذا طبيعي، ولا عيب فيه.
العزل يختلف من شخصٍ لآخر. لا أحد يطلب منك أن تكون بخير.
٥ · ماذا تحضّر
أغلب المستشفيات توفّر أساسيات النظافة، فقد لا تحتاج أن تجلب ما يكفيك.
لكن من تجربتي، خذ معك:
- بلسم شعر. غالباً لا يوفّرونه. كميةٌ صغيرة تكفي، ثم ترميها.
- ليفة أو إسفنجة استحمام. عادةً يعطونك صابوناً فقط، ولا شيء تفرك به جسمك، وأنت تستحمّ مرّتين يومياً.
- شاحن وأجهزتك. لكن غلّفها بالنايلون من البيت، فكل ما تلمسه في أول يومين يصبح مُشِعّاً.
وانتبه لشيءٍ مهم:
أي شيءٍ مسامي، كالكتب أو القماش، يصعب تنظيفه.
فمهما اشتقتَ إلى كتابٍ ورقي، لا تأخذه إلا إذا كنت مستعداً لرميه.
بدلاً منه: جهاز قراءة، أو لابتوب، أو هاتف. كلّها مغلَّفة.
وإن كنتَ ممّن يشعرون بالبرد، خذ كنزةً رخيصة لا يهمّك أن ترميها.
أنا اشتريتُ واحدة، ولم أحتجها أصلاً، فالغرفة لم تكن باردة.
نصيحتان أخيرتان:
- رتّب مع شخصٍ يساعدك من قبل. صديقتي حملت عنّي ما لم أحتجه، وأعادته إلى البيت.
- نزّل كل ما تريد مشاهدته أو سماعه مسبقاً، فقد لا يعمل الإنترنت في المستشفى.
وآخر شيء: لا تبالغ في التحضير مثلي.
حملتُ معي أشياء كثيرة، ثم لم أستعمل نصفها.
٦ · الطعام والجسد
في اليوم الأول، نصحوني ألّا أُكثِر من الطعام والشراب، تفادياً للغثيان.
وكنتُ جائعةً جداً، لأنني صُمتُ من الصباح، وأخذتُ الحبّة بعد الظهر، ثم انتظرتُ ساعتين بعدها.
فكانت أول وجبةٍ لي في المساء. جائعة، لكن بخير.
أعطوني دواءً قوياً للغثيان، مرّةً قبل الحبّة، ومرّةً في الليل.
كنتُ قد جهّزتُ نفسي لكل شيء:
بخّاخ لجفاف الفم، حلوى حامضة، وكثيرٌ من الماء.
يُقال إن فقدان حاسة التذوّق وجفاف الفم والغثيان أمورٌ شائعة بعد العلاج.
لكنني كنتُ محظوظة. لم يُصبني شيءٌ من ذلك.
وأقولها بوضوح: هذا حظّي أنا، وليس قاعدة.
قد يصيبك الغثيان، وقد يتغيّر تذوّقك أو يجفّ فمك.
هذا شائع، وغالباً مؤقت يتحسّن خلال أسابيع.
لكن عند قِلّة قد يطول، خاصةً جفاف الفم.
وفي كل حال: راجع طبيبك، فهو المرجع.
٧ · ما قرأتُه من تجارب الآخرين
قبل أن أذهب، قرأتُ كثيراً.
مجموعاتٌ على فيسبوك، منشوراتٌ على ريديت، أشخاصٌ مرّوا بما سأمرّ به.
منهم تعلّمتُ ما أتوقّعه. ومنهم عرفتُ أنني لستُ وحدي.
لكن تذكّر: هذه تجارب شخصية، لا أحكام طبية. طبيبك يبقى المرجع.
ومن الأمور العملية التي يُسأل عنها كثيراً: كيف تعود إلى البيت؟
فأنت تبقى مُشِعّاً لبعض الوقت، وعليك أن تبتعد عن الناس.
أنا اخترتُ أبسط طريق:
صديقتي أعادت سيارتي، ثم تركتها لي عند باب المستشفى.
فدخلتُ سيارتي مباشرة، من دون أن أشارك أحداً مكاناً مغلقاً.
وتُنصح عادةً بتجنّب المواصلات العامة، وبأن تقود وحدك إن أمكن.
أنا فعلتُ ذلك: لم أُرِد أن أُعرّض أحداً للإشعاع.
وإن لم يكن أمامك خيارٌ آخر، فلا بأس، لكلٍّ ظرفه.
اسأل مستشفاك عن التفاصيل، فهم أدرى.
في الختام
وفي النهاية:
مرّت التجربة، وكانت أخفّ مما خفتُ منه.
لكنني لا أعدك بشيء. تجربتك لكَ، وتجربتي لي.
كل ما أعرفه أنك ستعبر هذا، كما عبرتُه.
ولسنا وحدنا.
تنويه
هذه ليست نصيحة طبية، بل تجربةٌ شخصية ومعرفةٌ من مجتمع المرضى. تختلف البروتوكولات من مستشفى لآخر ومن بلدٍ لآخر وبحسب الجرعة وطريقة التحضير. ارجع دائمًا إلى فريقك الطبي والصيدلي في كلّ ما يخصّ حالتك.